"لماذا لست أنا؟ ولماذا تبدو حياة غيري ممتلئة بينما يطاردني النقص؟"
في مرحلة سابقة من مراحل حياتي، كنت أنظر إلى ما في أيدي الآخرين بنظرة يملؤها العتب والتساؤل الحائر: "لماذا لست أنا؟ ولماذا تبدو حياتي على هذا النحو؟ وهل أستحق كل هذا العناء والنقص؟". كانت هذه التساؤلات تنبع من رؤية قاصرة، رؤية تُركز على المفقود وتغفل عن الموجود، وتجعل المرء أسيراً لما ينقصه، فيحرم نفسه من تذوق بهجة ما يملك.
مع مرور الأيام وتوالي التجارب، ونمو الوعي ونضج الفكر، بدأت تلك الغشاوة تتلاشى عن بصيرتي، لتتغير وجهة نظري تماماً نحو تفاصيل حياتي ونحو العالم من حولي.
التفتُّ حولي ذات ليلة، فأبصرتُ نِعماً غامرة كنت أعتبرها في السابق مجرد بديهيات لا تستحق الالتفات. رأيت عائلتي المحبة المتماسكة برغم كل الظروف والتحديات التي قد تمر بها، وأبصرت أخاً يحيطني بمحبته الصادقة، وأباً يمنحني رعايته واهتمامه البالغين. نظرت إلى جسدي فوجدته يرفل في ثوب العافية والأمان؛ فلا أحتاج لزيارة المستشفيات بشكل شبه يومي، ولا يتطلب جسدي تجرّع الأدوية والعقاقير لأستمر في يومي بنشاط. والأجمل من ذلك كله، أن الذين أحبهم ويحبونني ما زالوا يحيطون بي، ولم يذق قلبي لوعة رحيل أحدهم أو فقده، وهي نعمة عظيمة يغفل عنها الكثيرون.
نِعمٌ لا تُحصى في تفاصيل بسيطة
حين تتسع عين البصيرة، ندرك أن النعم ليست مجرد قفزات كبرى أو تحولات درامية في الحياة، بل هي تلك التفاصيل الدقيقة والبسيطة التي نعيشها في كل ثانية ودقيقة دون أن نشعر:
الحواس والرزق المنساب: نعمة السمع التي نلتقط بها أصوات من نحب، ونعمة البصر التي نتأمل بها العالم، والماء الوفير النقي، والطعام المتاح في كل وقت.
الأمان والسكينة الدافئة: السرير المريح الذي يأوينا في نهاية اليوم، والغطاء الدافئ الذي يقينا زمهرير الليالي، ومكيف التبريد الذي يلطف حرارة الصيف اللاهب.
كلها هبات جليلة تحيط بنا من كل جانب، ولكن المشكلة تكمن في أننا "نعتاد النعمة" حتى نفقد الشعور بقيمتها وأثرها. فلماذا، وإزاء هذا الفيض الممتد والعطايا التي لا تُعد ولا تُحصى، نصرّ على توجيه أبصارنا نحو ما يملكه غيرنا؟ ولماذا نربط سعادتنا بما يفتقده واقعنا فقط؟
وهم الظاهر وحقيقة الباطن المستورة
إن الطبيعة البشرية القاصرة تدفع الإنسان بطبعه إلى الطمع، والجشع، والرغبة المستمرة في امتلاك المزيد والمزيد من كل شيء وأي شيء دون توقف أو اكتفاء. ولكن، يتناسى الكثيرون حقيقة كبرى؛ وهي أننا لا نرى من حياة الآخرين سوى القشرة السطحية اللامعة.
قد تنظر إلى أحدهم في فضاءات الإعلانات أو الواقع فتقول في نفسك: "إنه يملك كل شيء يحتاجه؛ أموالاً طائلة، قصراً منيفاً، سيارة فارهة، وقدرة على السفر والتنقل أينما تشاء نفسه"، لكنك في الحقيقة لا ترى سوى الجزء الهامشي الذي سمح هو بظهوره، أو الجزء الذي رغب العالم في أن يراه.
الحقيقة الخفية: كل إنسان على وجه هذه الأرض مشغول بهمه الخاص، ومستغرق في معركته الذاتية. لا يوجد بشر على كوكب الأرض راضٍ عن حياته رضاً تاماً مُطلقاً، فالداخل مليء بالأسرار، والندوب، والآلام، والتحديات التي لا يعلمها إلا الله سبحانه.
ختاماً
رسالة من عمق الوعي ونصيحة للاكتفاء
إن الوعي الحقيقي واليقظة النفسية يبدآن تماماً عندما نقرر الكف عن مقارنة كواليس حياتنا الخفية بملخصات حياة الآخرين الظاهرة. ونصيحتي التي أهديها لنفسي أولاً، ولكل عين تقرأ كلماتي ثانياً، هي ألا تجعلوا من أنفسكم حراساً على نعم غيركم، ولا تفتشوا في تفاصيل لم تُمنح لكم، لأنكم لا تعلمون ما الثمن الذي دُفع في مقابلها، ولا تعرفون حجم الوجع الخفي الذي يختبئ وراء تلك الصور البراقة والواجهات اللامعة.
تأملوا في زوايا بيوتكم، وفي هدوء ليلكم، وفي سلامة أجسادكم، وفي وجود عائلاتكم حولكم؛ ستجدون أنكم ملوكٌ في ثوب بسطاء. دعونا نحاول جاهدين أن نربي أرواحنا على مفهوم الاكتفاء الداخلي والامتنان الذاتي، وأن ندرّب ألسنتنا وقلوبنا على تذوق حلاوة قول: "الحمد لله دائماً وأبداً".
فالصحة والعافية، والعائلة الدافئة المتماسكة، والسقف الآمن الذي يحمينا من تقلبات الدنيا، هي الثروة الحقيقية والكنز الثمين الذي يستحق الشكر والاحتفاء. التفتوا للداخل، واغرسوا الرضا في قلوبكم، فمن ملك الرضا ملك الدنيا بحذافيرها، وعاش مطمئن البال، هادئ النفس، يرى الوجود كله جميلاً.
واخيرا أقول شكراً لوقتك♡



قبل منزلةِ شكر النعمة منزلةُ ملاحظتها ومعرفتها وشهودها. كيف يشكر النعمة من لم يلحظها أصلًا؟! إن كثيرًا من بلائنا راجعٌ إلى نسيان نعم الله، ولذلك تجد في كتاب الله كثيرًا الحث على تذكُّر النعم: (اذكروا نعمتي)، (اذكروا نعمة الله عليكم)، (اذكر نعمتي)، (تَذْكُرُوا نعمة ربكم)، وغير ذلك.
قال ابن القيم: (شكره -سبحانه- بحسب شهود النعمة، فكلما كان أتم كان الشكر أكمل)
وقال أبو حامد الغزالي: (اعلم أنه لم يُقصِّر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهلُ والغفلةُ؛ فإنهم مُنعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها)
المنشور حلو جدًا
يُذكرني بأن اشكر الله دائما على نِعمة مهما كانت
وهذا هو الحق فعلاً أن تشكر الله دائما ف هو يعطيك ويزيدك أكثر واكثر وشيء الي جذبني فعلا أن لا أحد مُرتاح أو يعيش بأمان في هذهِ الحياة هي مُجرد حلقة تدور ببعضها وليس لها نهايه .