هل الحديث مع الذات جنون؟
في ركنٍ من غرفتي الشبه مظلمة، انزويتُ بـمفردي أُخوض حواراً عميقاً مع ذاتي بنبرةٍ مسموعة؛ أطرحُ السؤالَ وأرقبُ الجواب، وتارةً أُجهدُ فكري بحثاً عن ردٍ لمعضلةٍ عجزت نفسي عن حلّها. استغرقتُ في مناجاة نفسي وقتاً طويلاً، وتبددت الساعاتُ دون وعيٍ مني بمرورها، حتى استوقفتني حيرةٌ مباغتة: أتراني فَقَدتُ رشدي كما يزعمُ الواهمون؟ أم أن مُحادثة المرء لنفسه هي أمرٌ طبيعي في فِطرة البشر؟
ولعَلّ الإجابة الشافية عن هذه الحيرة لا تكمن في ظنون المحيطين بنا، بل في أروقة علم النفس ومختبرات الأعصاب، حيث يُصنّف العلماء هذا المونولوج الداخلي—حين يخرج إلى العلن—بأنه أداة فكرية بالغة الذكاء، لا صلة لها بالجنون أو اختلال العقل من قريب أو بعيد.
هل الحديث مع الذات علامة نضج أم بوجس من جنون؟
بقلم: [اسـتـبـرق]
الملاذ الآمن: التفسير النفسي لحديث الذات
يرى علماء النفس أن الجلوس في مكانٍ هادئ وشبه مظلم يقلل من الصخب البصري والمشتتات الخارجية، مما يخلق بيئة مثالية لارتداد الوعي نحو الداخل. في هذه اللحظات، لا يعود الصوت المسموع مجرد كلمات عابرة، بل يتحول إلى "مرآة لغوية". نحن عندما ننطق أفكارنا، نمنحها شكلاً ملموساً يساعدنا على تنظيم الفوضى الفكرية وتفكيك المشاعر المعقدة. إنها عملية "عصف ذهني ذاتي" يمارسها العقل لترتيب أولوياته، والبحث عن حلول لمعضلات قد تبدو مستعصية وهي حبيسة الصمت والظلام.
أما عن ذلك الوقت الذي يتبدد دون وعي، فإنه يتجلى نفسياً فيما يُعرف بـ "حالة التدفق" (Flow State)؛ وهي حالة من الاندماج الذهني الكامل ينفصل فيها المرء عن محيطه الزماني والمكاني، ليركز بكل طاقته في حواره الداخلي. هذا الانفصال المؤقت عن ماديّة العالم ليس غياباً عن الوعي، بل هو ذروة حضور الوعي وقوة الخيال.
تأخذ هذه الظاهرة في علم النفس أشكالاً متعددة، منها:
التوجيه الإجرائي: حين يسأل المرء نفسه عن خطوته القادمة لترتيب فوضى مهامه.
التفريغ الوجداني: حين يُترجم المشاعر المكبوتة إلى كلمات ليخفف من وطأتها على النفس.
التقييم المعرفي: وهو الحوار الرفيع (سؤال وجواب) الذي يختبر فيه المرء قناعاته ويصحح مسارات تفكيره.
ميزان العلم: ماذا يقول علم الأعصاب؟
من الناحية البيولوجية، أثبتت الدراسات الحديثة التي أُجريت عبر تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن التحدث مع النفس بصوت مسموع ينشط شبكات عصبية معقدة في الدماغ مسؤولة عن التفكير التنفيذي، والذاكرة العاملة، والتحكم المعرفي.
عندما نلعب دور السائل والمجيب، فإننا لا نكرر الأفكار فحسب، بل نعيد معالجتها؛ فالصوت المنطوق يعمل كـ "موجّه خارجي" (External Cue) يزيد من قدرة الدماغ على التركيز والاحتفاظ بالمعلومات. يشبه ذلك تماماً ما يفعله الرياضيون المحترفون في اللحظات الحاسمة، أو العلماء أثناء حل المعادلات المعقدة، حيث يوجهون لأنفسهم تعليمات بصوت عالٍ لتحفيز الأداء العصبي وتحقيق أعلى درجات اليقظة الذهنية. إن الصوت يمنح الفكرة العائمة في العقل ثقلاً وحضوراً يجعل التعامل معها أسهل وأكثر دقة.
الحد الفاصل: بين الحوار الطبيعي والهلاوس
من المهم علمياً أن نرسم خطاً فاصلاً ونقياً بين هذا السلوك الصحي وبين الحالات المرضية لتفنيد نظرة المجتمع القاصرة. فالحديث الطبيعي مع الذات نابع من داخل المرء، وهو من يملك زمام قيادته، ويبدؤه وينهيه بكامل إرادته، مع إدراكه التام بأنه يحاور نفسه. أما الهلاوس السمعية المرتبطة بالاضطرابات العقلية، فتأتي كأصوات خارجية منفصلة ومفروضة على المريض، تسبب له الذعر والتشتت وعجز السيطرة، وهو ما يختلف تماماً عن تلك السكينة والحلول التي نصل إليها في خلواتنا الاختيارية.
ختاما أقول إن ذلك الحوار الذي دار بين جدران غرفتي الشبه مظلمة لم يكن امتداداً لجنونٍ موهوم، بل كان تجلياً لفطرة بشرية ناصعة، وملاذاً تلجأ إليه العقول الواعية لتستعيد توازنها في عالم صاخب. التحدث مع النفس ليس نقصاً، بل هو فضيلة إدراكية يمتلكها من رُزقوا عوالم داخلية غنية، وخيالاً خصباً يتسع للأسئلة الكبرى.
لذا، في المرة القادمة التي ينساب فيها صوتك في عتمة غرفتك سائلاً ومستفهماً، تذكر دائماً أنك لا تفقد عقلك، بل إنك في أقصى درجات الصدق معه، تصنع من شتات الكلمات خطاً مستقيماً من الفهم، والنضج، والسلام الداخلي.
شكرا لوقتك♡


